الشيخ محمد رشيد رضا
21
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَهُمْ ظالِمُونَ ( 114 ) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) فالوعيد الأول دنيوي وهو على كفر النعمة . والثاني مثله وهو على الظلم في الاعتقاد . والآية الثالثة صريحة في أن الايمان الصحيح والتوحيد الخالص يقتضى شكر النعم وحسن العمل . ومن الوعيد على الظلم بعذاب الآخرة : قوله تعالى ( 19 : 76 ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا ) أي في النار . وقوله ( 42 : 45 أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ) وأما وعيد الظالمين بعذاب الدنيا كهلاك الأمة فكثير كقوله تعالى ( 11 : 102 وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) إذا تدبرت هذه الآيات وأمثالها علمت أن ما نقل عن عطاء لا وجه له ، وأن الظالمين والكافرين في كتابه تعالى وفي حكمه سواء ، وأن الكفر والظلم في العمل أثر الكفر والظلم في الاعتقاد إلا ما لا يسلم منه البشر من اللمم . فقد يلم بالمؤمن الذنب بجهالة أو نسيان أو غلبة انفعال ثم يعود من قريب ولا يصبر على الذنب وهو يعلم وإن ما نحن بصدده من الانفاق في سبيل اللّه ليس من اللمم فالمنع له لا يتفق مع الايمان الصحيح والدين الخالص من الشوائب . ويعجبني ما قاله البيضاوي في تفسير هذه الجملة قال « يريد والتاركون للزكاة هم الذين ظلموا أنفسهم إذ وضعوا المال في غير موضعه وصرفوه على غير وجهه . فوضع الكافرون موضعه تغليظا وتهديدا كقوله ( 2 : 97 وَمَنْ كَفَرَ ) مكان : ومن لم يحج : وإيذانا بأن ترك الزكاة من صفات الكفار . كقوله ( 41 : 6 وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ 7 الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ) اه وقد صدق في قوله : إن منع الزكاة من صفات الكفار ، أي لا يصر عليها المؤمن فتكون صفة قال الأستاذ الامام ما معناه : لو فتشتم عن خفايا النفس لوجدتم أن العلة الصحيحة في منع الزكاة ونحوها من النفقات الواجبة هي أن حب المال أعلى في قلب المانع من حب اللّه تعالى وشأن المال أعظم في نفسه من حقوق اللّه عز وجل لأن النفس تذعن دائما لما هو أرجح في شعورها نفعا ، وأعظم في وجدانها وقعا ، مهما تعارضت وجوه المنافع ، ولو وزنتم جميع أنواع الظلم الذي يصدر من الانسان لوجدتم أرجحها ظلم الباذل بفضل ماله على ملهوف يغيثه ومضطر يكشف ضرورته ، أو على المصالح العامة التي